العيني
42
عمدة القاري
ذكره معلقاً ، وقد علم أن ما كان من هذا فهو عنده في حكم المتصل لإيراده له بصيغة الجزم ، مع أنه ذكره موصولاً بعد هذا ببابين ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، من حديث معاوية ، رضي الله عنه . قوله : ( يفقهه ) أي : يفهمه ، إذ الفقه في اللغة الفهم . قال تعالى * ( يفقهوا قولي ) * ( طه : 28 ) أي : يفهموا قولي ، من فقه يفقه ، من باب : علم يعلم ، ثم خص به علم الشريعة ، والعالم به يسمى فقيهاً . وجاء : فقه ، بالضم ، فقاهة ، وهكذا رواية الأكثرين : يفقه ، وفي رواية المستملي : بالهاء المشددة المكسورة بعدها ميم ، وأخرجه ابن أبي عاصم بهذا اللفظ في كتاب العلم من طريق ابن عمر عن عمر ، رضي الله عنه ، مرفوعاً بإسناد حسن . * ( وإنما العِلم بالتَّعَلُّمِ ) * قال الكرماني : يحتمل أن يكون هذا من كلام البخاري . قلت : هذا حديث مرفوع أورده ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية ، رضي الله عنه ، بلفظ : ( يا أيها الناس تعلموا إنما العلم بالتعلم ، والفقه بالتفقه ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ) ، إسناده حسن ، والمبهم الذي فيه اعتضد بمجيئه من وجه آخر ، ورواه الخطيب في كتاب ( الفقيه والمتفقه ) من حديث مكحول عن معاوية ولم يسمع منه . قال النبي ، عليه الصلاة والسلام : ( يا أيها الناس إنما العلم بالتعلم والفقه بالتفقه ) . وروى البزار نحوه من حديث ابن مسعود ، رضي الله تعالى عنه ، موقوفاً : ( بالتعلم ) ، بفتح العين وتشديد اللام ، وفي بعض النسخ بالتعليم ، أي ليس العلم المعتد إلاَّ المأخوذ عن الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، على سبيل التعلم والتعليم ، فيفهم منه أن العلم لا يطلق إلاَّ على علم الشريعة ، ولهذا لو أوصى رجل للعلماء لا ينصرف إلاَّ على أصحاب الحديث والتفسير والفقه . وقال أبُو ذَرٍّ : لَوْ وَضَعْتُمُ الصمَّصْامَةَ على هذه ، وأشارَ إلى قَفَاهُ ، ثم ظَنَنْتُ أنِّي أُنْفِذُ كَلِمَةً سَمِعْتُها مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أن تُجِيزُوا عَلَيَّ لأَنْفَذْتُها . هذا التعليق رواه الدارمي موصولاً في ( مسنده ) من طريق الأوزاعي : حدثني مرثد بن أبي مرثد عن أبيه قال : ( أتيت أبا ذر وهو جالس عند الجمرة الوسطى ، وقد اجتمع الناس عليه يستفتونه ، فأتاه رجل فوقف عليه ، ثم قال : ألَمْ تُنْهَ عن الفتيا ؟ فرفع رأسه إليه ، فقال : أرقيب أنت علي ؟ لو وضعتم . . . ) فذكر مثله . ورواه أحمد بن منيع عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي ، عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن مرثد بن أبي مرثد عن أبيه قال : ( جلست إلى أبي ذر الغفاري ، رضي الله عنه ، إذ وقف عليه رجل فقال : ألم ينهك أمير المؤمنين عن الفتيا ؟ فقال أبو ذر : والله لو وضعتم الصمصامة على هذه ، وأشار إلى حلقه ، على أن أترك كلمة سمعتها من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لأنفذتها قبل أن يكون ذلك ) . قلت : كان سبب ذلك أن أبا ذر كان بالشام ، واختلف مع معاوية في تأويل قوله تعالى 1764 ; * ( والذين يكنزون الذهب والفضة ) * ( التوبة : 24 ) فقال معاوية : نزلت في أهل الكتاب خاصة ، وقال أبو ذر : نزلت فينا وفيهم ، فكتب معاوية إلى عثمان ، رضي الله عنه ، فأرسل إلى أبي ذر ، فحصلت منازعة أدت إلى انتقال أبي ذر عن المدينة ، فسكن الربذة ، بفتح الراء والباء الموحدة والذال المعجمة ، إلى أن مات ، وقد ذكرناه ، واسمه جند بن جنادة . قوله : ( الصمصامة ) قال الجوهري : الصمصام والصمصامة : السيف الصارم الذي لا ينثني ، وأشار بقوله : هذه ، إلى : القفا ، والقفا : يذكر ويؤنث ، وهو مقصور مؤخر العنق . قوله : ( أنفذ ) ، بضم الهمزة والذال المعجمة ، أي ظننت أني أقدر على إنفاذ كلمة أي : تبليغها . وقوله : ( قبل أن تجيزوا ) ، بضم التاء المثناة من فوق وكسر الجيم وبعد الياء زاي معجمة ، أي قبل أن يقطعوا علي ، أراد به : قبل أن يقطعوا رأسي . وقال الصغاني : والتركيب يدل على قطع الشيء . قلت : ومنه قوله : * حتى أجاز الوادي * أي : قطعه . * فأكون أول من يجيز * أي : أول من يقطع مسافة الصراط . وقال الكرماني : وتجيزوا ، أي الصمصامة علي ، أي : على قفاي . قلت : هو من أجاز الشيء إذا انفذه ، و : الصمصامة ، مفعوله ، وكلمة : على ليست صلة لأجل التعدي . وحاصل المعنى : أنه يبلغ ما يحمله في كل حال ، ولا ينثني عن ذلك ، ولو عرض عليه القتل أو وضع على قفاه السيف ، وفيه دليل على أن أبا ذر ، رضي الله عنه ، كان لا يرى بطاعة الإمام إذا نهاه عن الفتيا ، لأنه كان يرى أن ذلك واجب عليه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتبليغ عنه ، ولعله أيضاً سمع الوعيد في حق من كتم علماً يعلمه . فإن قلت : لو لامتناع الثاني لامتناع الأول على المشهور ، فمعناه : انتفى الإنفاذ لانتفاء الوضع ، وليس المعنى عليه . قلت : هو مثل : ( لو لم يخف الله لم يعصه ) . يعني : يكون الحكم ثابتاً على تقدير النقيض بالطريق الأولى ، فالمراد أن الإنفاذ حاصل على تقدير الوضع ، وعلى تقدير عدم الوضع حصوله أولى ، أو إن : لو ههنا لمجرد الشرط يعني حكمها حكم : إن ، من